الطبراني
429
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
أحذّركم من عذاب اللّه إن كان اللّه يريد أن يضلّكم عن الهدى مجازاة بعملكم ، فإن إرادة اللّه فوق إرادتي ، ويكون ما يريد لا ما أريد . فإن قيل : كيف يجوز أن تكون إرادة إبليس موافقة لإرادة اللّه ، وإرادة نوح مخالفة لإرادة اللّه ؟ فالجواب : إنّ اللّه تعالى شاء لأؤلئك القوم الكفر ، وشاء لنوح أن يسألهم الإيمان ، وشاء لإبليس أن يسألهم الكفر ، فالكلّ بمشيئة اللّه تعالى . ويقال : معنى قوله : ( إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ) إن كان اللّه يريد أن يهلككم ، وينحّيكم من رحمته بكفركم ، كما قال فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا « 1 » أي هلاكا وعذابا ، والغيّ قد يكون بمعنى الخيبة ، كما قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما « 2 » أي ومن يخب ، يقال : غوى الرجل يغوي غيّا ؛ إذا فسد عليه أمره ، أو فسد هو في نفسه ، ومنه وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى « 3 » أي فسد عليه عيشه في الجنّة ، وهذا يؤوّل أيضا إلى معنى الخيبة فيها فساد العيش . وذكر الحسن في معنى الآية : ( لا ينفعكم نصحي اليوم إذا نزل بكم العذاب ، فاستدركوا أمركم قبل نزول العذاب لتنتفعوا بنصحي ) . قوله تعالى : ( هُوَ رَبُّكُمْ ) أي مالككم يقدر على إنزال العذاب بكم ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 34 ) ؛ أي إليه مصيركم بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم . وهذه الآية مما يحتجّ بها أنّ الشرط إذا اعترض على الشرط من غير أن يتخلّلهما الجواب ، كان الشرط الثاني مقدّما على الأوّل في المعنى ، حتى لو قال قائل : إن دخلت الدار ، إن كلّمت زيدا فعبدي حرّ ، لا يحنث حتى يكلّم ثم يدخل . فيكون تقدير الآية : ولا ينفعكم نصحي إن كان اللّه يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم .
--> ( 1 ) مريم / 59 . ( 2 ) ينظر : لسان العرب : ج 10 ص 149 : ( غوي ) . ( 3 ) طه / 121 .